عبيدلي العبيدلي **
ويتيح التنويع أيضًا توسيع القاعدة الضريبية وتحسين العدالة في توزيع العبء الضريبي. ففي الاقتصادات الأحادية، تتركز الإيرادات العامة في مصادر محدودة، ما يضعف كفاءة النظام الضريبي ويقيد قدرة الدولة على تنفيذ سياسات إعادة توزيع فعالة. أما في الاقتصادات المتنوعة، فتسمح تعددية الأنشطة بتصميم نظم ضريبية أكثر توازنًا واستقرارًا؛ بما يدعم تمويل الخدمات العامة ويعزز العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.
ومن زاوية أخرى، يمنح التنويع الاقتصادي الدول النامية فرصة أفضل للتعامل مع التحولات الهيكلية العالمية، مثل التحولات البيئية والتغير المناخي؛ فالاقتصادات المعتمدة على أنشطة كثيفة الانبعاثات أو على استغلال الموارد الطبيعية تواجه مخاطر متزايدة في ظل تشديد المعايير البيئية عالميًا. ويسمح التنويع بإعادة توجيه الاستثمار نحو أنشطة أقل هشاشة وأكثر توافقًا مع التحولات العالمية، ما يعزز استدامة النمو على المدى الطويل.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن التنويع الاقتصادي يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي. فتنويع فرص العمل ومصادر الدخل يقلل من التفاوتات الإقليمية والقطاعية، ويحد من الإقصاء الاقتصادي، ويعزز شعور الفئات المختلفة بالاندماج في المشروع التنموي الوطني. وتشير الأدبيات إلى أن الاقتصادات الأكثر تنوعًا تميل إلى مستويات أعلى من الاستقرار الاجتماعي مقارنة بالاقتصادات الريعية أو الأحادية .
وعليه، فإن الفرص التي يتيحها التنويع الاقتصادي لا تقتصر على تحسين المؤشرات الاقتصادية الكلية، بل تمتد لتشمل إعادة تشكيل بنية الاقتصاد والمجتمع والدولة، بما يجعل منه ركيزة مركزية لأي مشروع تنموي جاد في الدول النامية، وهو ما يفسر الإصرار المتزايد على إدراجه في صلب الاستراتيجيات الاقتصادية المعاصرة.
التنويع الاقتصادي بين السياسات الاقتصادية والسياسات النقدية
يُخطئ كثير من الأدبيات التطبيقية حين تُعامل التنويع الاقتصادي بوصفه "مشروعًا قطاعيًا" يخص وزارات الاقتصاد أو الصناعة فقط، بينما يكشف الواقع أن نجاح التنويع يتوقف- إلى حد بعيد- على اتساق "مزيج السياسات" الذي يجمع بين السياسة الاقتصادية بمفهومها الواسع (المالية العامة، الصناعية، التجارية، الاستثمارية، وسياسات سوق العمل) وبين السياسة النقدية (سعر الفائدة، إدارة السيولة، سعر الصرف، أدوات الاستقرار المالي). فالتنويع، باعتباره تحوّلًا هيكليًا، يحتاج بيئة كلية مستقرة يمكن للقطاع الخاص أن يراكم فيها استثمارات طويلة الأجل، ويحتاج في الوقت نفسه سياسات مالية وتجارية "تدفع" الموارد نحو أنشطة جديدة دون أن تُطلق تضخمًا جامحًا أو تُفجر اختلالات خارجية.
تبدأ نقطة الالتقاء الأولى من حقيقة أن الاقتصادات الأحادية - خصوصًا المعتمدة على السلع الأولية - تُظهر حساسية أعلى للصدمات الخارجية، ما يُترجم إلى تقلبات في الإيرادات العامة وسعر الصرف والسيولة المحلية. وقد أشار صندوق النقد إلى أن تنويع الصادرات يرتبط عادةً بانخفاض تقلبات شروط التبادل، وبالتالي انخفاض تقلبات الناتج (Papageorgiou & Spatafora, 2012). وفي قراءة أكثر ديناميكية، لاحظت الدراسة نفسها أن «الاندفاعات السريعة للتنويع» ليست نادرة؛ فقد تم رصد 61 اندفاعة تنويع منذ 1962 شملت 51 دولة نامية، واستمرّت في المتوسط نحو 13 سنة .هذه الأرقام لا تُستخدم بوصفها احتفاءً بالتنويع، بل لتوضيح أن التنويع مسار زمني يحتاج إدارة كلية طويلة النفس، وأن السياسة النقدية خلال هذه الفترة ليست محايدة، بل إما أن تُسهم في تسهيل التحول أو تعيقه.
وتتمثل نقطة الالتقاء الثانية في أثر الاستقرار الكلي على قرار الاستثمار. فالتنويع يتطلب تحويلًا تدريجيًا في هيكل الاستثمار من أنشطة قصيرة الأجل أو ريعية إلى أنشطة إنتاجية ذات آجال أطول ومخاطر أعلى. هنا تصبح السياسة النقدية حاسمة من خلال قدرتها على خفض ضبابية التضخم وتقلبات سعر الصرف وتذبذب كلفة التمويل. وفي سياق البلدان منخفضة الدخل، يقدم صندوق النقد تقديرًا كميًا بالغ الدلالة؛ إذ يشير إلى أن زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في تنويع المنتجات التصديرية ترفع معدل النمو بنحو 0.8 نقطة مئوية، وأن زيادة مماثلة في تنويع الناتج ترفع متوسط النمو السنوي بنحو 1.4 نقطة مئوية. وبالمعنى التطبيقي، لا يمكن تخيّل تحقيق هذه «علاوة النمو» دون إطار نقدي يثبّت التوقعات ويؤمّن تمويلًا مستقرًا للاستثمار الإنتاجي.
أما نقطة الالتقاء الثالثة فتتصل بسعر الصرف و«قابلية التجارة» للقطاعات الجديدة. فمن خبرات الدول الريعية، كثيرًا ما ينتج عن تدفقات العائدات الريعية ارتفاع سعر الصرف الحقيقي، بما يضعف تنافسية الصناعات الناشئة ويقلل حوافز التصدير (ظاهرة "المرض الهولندي"). في هذه الحالة، تصبح السياسة النقدية- بالتفاعل مع السياسة المالية- معنية بإدارة الدورة، عبر أدوات مثل التعقيم (sterilization)، وصناديق الاستقرار/الثروة السيادية، وقواعد مالية تحد من التوسع المؤقت في الإنفاق، بما يقلل ضغط الطلب الداخلي على السلع غير القابلة للتجارة ويخفف الارتفاع المفرط في سعر الصرف الحقيقي. إنَّ غياب هذا التنسيق قد يجعل برامج التنويع تُنتج قطاعات محمية محليًا لكنها عاجزة عن المنافسة خارجيًا.
وتتجسد نقطة الالتقاء الرابعة في إدارة المخاطر المالية والائتمانية التي تصاحب التحول الهيكلي. فالانتقال إلى قطاعات جديدة غالبًا ما يترافق مع توسع في الائتمان وتمويل المشاريع، ما يرفع مخاطر تراكم الديون الرديئة أو فقاعات الأصول إذا لم تقترن السياسة النقدية بأدوات احترازية كلية (macroprudential). وتُلمّح الأدبيات الحديثة إلى أن مكاسب التنويع لا تتعلق بالنمو فقط؛ بل بالاستقرار كذلك؛ ففي دراسة لصندوق النقد على 34 دولة صغيرة خلال 1990- 2015، وُجد أن الدول الأكثر تنوعًا شهدت تقلبًا أقل في الناتج ونموًا متوسطًا أعلى، وأن أثر التنويع كان «أقوى» على خفض تقلب الناتج مقارنة بأثره على رفع النمو طويل الأمد. وهذه الخلاصة تعزز الحجة القائلة إن السياسة النقدية، حين تضع الاستقرار كشرط للتنويع، لا تُعطّل التحول؛ بل تضمن استدامته.
** خبير إعلامي
